بقلم: د. إيمان بشير ابوكبدة
كانت عينا أيمن تلمعان بأحلامٍ أكبر من واقعه الضيق، أحلامٍ تتجاوز حدود مدينته الليبية التي التهمتها الحرب. كان يرى الحياة من حوله تتآكل، والبيوت التي كانت تضحك يومًا، صارت صامتة كالمقابر. لم يكن الفقر وحده ما يؤلمه، بل إحساسه المرير بالعجز… بعجزه عن انتشال نفسه وعائلته من الطين الذي غاصوا فيه حتى الأعناق.
كل مساء، كان يجلس في غرفته الصغيرة، يحتضن هاتفه كمن يحتضن نافذةً تُطل على عالمٍ آخر. يشاهد فيديوهات شبّانٍ مثله هاجروا إلى أوروبا، يتحدثون عن النجاح والحرية، عن البيوت الفاخرة والسيارات الحديثة، وعن السعادة التي تنتظرهم هناك.
كان يصدقهم بلا تردد.
كان يرى في كل مقطع وعدًا بالخلاص.
تسللت فكرة الهجرة إلى عقله بخفةٍ خادعة، ثم نمت في صدره حتى صارت قدرًا لا فكاك منه. حاول أصدقاؤه إقناعه بالعدول، فقال له حسام ذات مساء:
“يا أيمن، البحر غدّار… كثيرون ابتلعهم ولم يعودوا.”
ابتسم أيمن، وقال بنبرةٍ هادئة:
“على الأقل، سأموت وأنا أحاول… لا وأنا أنتظر.”
بدأ يجمع المال بجهدٍ وعرق. باع دراجته القديمة، وساعده أحد أقربائه ببعض النقود، ثم باع ساعة والده سرًّا وهو يشعر بالذنب.
حين سألته أمه عن سبب شروده، قال وهو يخفي قراره خلف ابتسامةٍ مرتعشة:
“وجدت فرصة عملٍ مؤقتة في الخارج… لا تقلقي، سأعود قريبًا.”
ابتسمت الأم بحزن، كأنها قرأت ما في عينيه، وهمست:
“احذر يا بُني… فالبحر لا يرحم الحالمين.”
كانت ليلة الرحيل مظلمة، والقمر نصفه مختفٍ كأنه يخشى أن يشهد النهاية.
تجمّع عشرات الشبان في مخزنٍ مهجور قرب الشاطئ، وجوههم متعبة، وعيونهم متقدة بالأمل والخوف معًا.
دخل المهرّب بصوتٍ خشن وقال:
“القارب جاهز… لا تلتفتوا إلى الوراء.”
تحرّك القارب الخشبي الصغير في عمق البحر، يتراقص فوق الموج كأمنيةٍ هشّة.
في البداية، كان البحر ساكنًا، ثم بدأت نغمة الريح تتبدل، وصار الموج أكثر عنفًا.
ارتفعت الأصوات، واختلط الصراخ بالدعاء، وبدأ القارب يترنّح كأنه يحتضر.
“الماء يدخل إلينا!”
صرخ أحدهم.
وانهمكوا في محاولة إخراجه بأيديهم، لكن الموج كان أقوى.
جلس أيمن في زاويةٍ ضيقة، يحتضن حقيبته الصغيرة التي تضم بعض الملابس وصورة أمه.
رفع رأسه نحو السماء المظلمة، والمطر يصفع وجهه، وهمس بصوتٍ مبحوح:
“سامحيني يا أمي…”
ثم جاء الموج الأكبر.
تدفقت المياه، وانقلب القارب، واختفت الأصوات واحدًا تلو الآخر، حتى لم يبقَ سوى هدير البحر… كأنه يعلن انتصاره الأبدي على أحلام البشر.
مع طلوع الفجر، كان البحر هادئًا، كما لو لم يحدث شيء.
على الشاطئ البعيد، عثرت فرق الإنقاذ على بقايا القارب، وحقيبةٍ صغيرة في داخلها صورة امرأةٍ وطفل.
على ظهر الصورة كُتب بخطٍ باهت:
“حين أصل، سأشتري لك بيتًا قرب البحر.”
وفي مدينة طرابلس، جلست أمه كعادتها كل مساء أمام الباب، تحدّق في الطريق، تنتظر مكالمته الأولى، مؤمنةً أنه وصل إلى “الضفة الأخرى”.
لم تعلم أن ابنها وصل فعلاً… لكن البحر هو من احتفظ به إلى الأبد.
قصة في حضن الموج